محمد بن جرير الطبري

376

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أن الرفع فيه جائز وقد قرئ بالنون بمعنى الذي نقاتل في سبيل الله ، فإن ذلك غير جائز ؛ لأَن العرب لا تضمر حرفين . ولكن لو كان قرئ ذلك بالياء لجاز رفعه ، لأَنه يكون لو قرئ كذلك صلة للملك ، فيصير تأويل الكلام حينئذ : ابعث لنا الذي يقاتل في سبيل الله ، كما قال تعالى ذكره : وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ لأَن قوله " يتلو " من صلة " الرسول " . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . . . وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ يعني تعالى ذكره بذلك : قال النبي الذي سألوه أن يبعث لهم ملكا يقاتلوا في سبيل الله : هَلْ عَسَيْتُمْ هل تعدون إن كتب ، يعني إن فرض عليكم القتال ألا تقاتلوا ؟ يعني أن لا تفوا بما تعدون الله من أنفسكم من الجهاد في سبيله ؟ فإنكم أهل نكث وغدر ، وقلة وفاء بما تعدون قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني قال الملأ من بني إسرائيل لنبيهم ذلك : وأي شيء يمنعنا أن نقاتل في سبيل الله عدونا وعدو الله ، وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا بالقهر والغلبة ؟ فإن قال لنا قائل : وما وجه دخول " أن " في قوله : وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وحذفه من قوله : وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ قيل : هما لغتان فصيحتان للعرب ، تحذف " أن " مرة مع قولنا " ما لك " ، فتقول : ما لك لا تفعل كذا ؟ بمعنى : مالك غير فاعله ، كما قال الشاعر : ما لك ترغين ولا ترغو الخلف وذلك هو الكلام الذي لا حاجة بالمتكلم به إلى الاستشهاد على صحته لفشو ذلك على ألسن العرب . وتثبت " أن " فيه أخرى ، توجيها لقولها ما لك إلى معناه ، إذ كان معناه : ما منعك ، كما قال تعالى ذكره : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ثم قال في سورة أخرى في نظيره : ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ فوضع " ما منعك " موضع " ما لك " ، و " ما لك " موضع " ما منعك " لاتفاق معنييهما وإن اختلفت ألفاظهما ، كما تفعل العرب ذلك في نظائره مما تتفق معانيه وتختلف ألفاظه ، كما قال الشاعر : تقول إذا اقلولي عليها وأقردت * ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم فأدخل في " دائم " " الباء " مع " هل " وهي استفهام ، وإنما تدخل في خبر " ما " التي في معنى الجحد لتقارب معنى الاستفهام والجحد . وكان بعض أهل العربية يقول : أدخلت " أن " في : أَلَّا تُقاتِلُوا لأَنه بمعنى قول القائل : ما لك في ألا تقاتل ؟ ولو كان ذلك جائزا لجاز أن يقال : ما لك أن قمت ؟ وما لك أنك قائم ؟ وذلك غير جائز ؛ لأَن المنع إنما يكون للمستقبل من الأَفعال ، كما يقال : منعتك أن تقوم ، ولا يقال : منعتك أن قمت ؛ فلذلك قيل في " مالك " : مالك ألا تقوم ، ولم يقل : ما لك أن قمت . وقال آخرون منهم أهل العربية : " أن " هاهنا زائدة بعد " ما " " فلما " " ولما " " ولو " وهي تزاد في هذا المعنى كثيرا قال : ومعناه : وما لنا لا نقاتل في سبيل الله فأعمل " أن " وهي زائدة وقال الفرزدق : لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها * إذن للام ذوو أحسابها عمرا والمعنى : لو لم تكن غطفان لها ذنوب . " ولا " زائدة فأعملها وأنكر ما قال هذا القائل من قوله الذي حكينا عنه آخرون ،